الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح

الناشر: مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات
الطبعة الأولى: 2003

محتويات الكتاب
• تقديم
• الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في الندوة
• كلمة رئيس مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

المحور الأول: التسامح في الأندلس

• التسامح الديني وأثره في حضارة الأندلس، د. عباس الجراري.
• التسامح الإسلامي: الأندلس نموذجا، د. محمود علي مكي.
• محطات في تاريخ التسامح بين الأديان والشعوب بالأندلس، د.إبراهيم القادري بوتشيش.
• التسامح الديني والعلاقات الإنسانية من خلال استقراء النصوص الأدبية: شعرية ونثرية، دة. ثريا لهي.
• المجتمع الأندلسي بين التعصب والتسامح من خلال المادة الشعرية، د. جمعة شيخة.
• الحياة العامة في أندلس العصر الوسيط، د. أحمد شحلان.
• الصورة النمطية للشخصية الأندلسية في المدونات التاريخية والكتابات الأدبية الإسبانية، د. سعيد بالأحرش.
• الموسيقى الأندلسية العربية مظهر من مظاهر التسامح في المجتمع الأندلسي، د. عبد العزيز بن عبد الجليل
• مظاهر التعايش والتسامح في الأندلس عبر الموسيقى والغناء، د.يونس الشامي.

المحور الثاني: التواصل الثقافي

• ابن حزم ومدرسته جدل الفقه والتاريخ، د. محمود إسماعيل.
• الرحلات الأندلسية والتواصل الحضاري: القاضي أبو بكر ابن عربي نموذجا، د. عز الدين عمر موسى.
• رحلة القلصادي حلقة من حلقات التواصل الحضاري بين الأندلس والمشرق العربي، د. قاسم الحسيني.
• ملامح من الحياة الفكرية الحضرية بالأندلس، مدينة إشبيلية في عهدها المغربي، د. محمد يعلى.
• أطباء بلا حدود: الطب في العالم المتوسطي خلال العصر الوسيط، دة. نعمة مني.
• فضاء التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة في آثار فقهاء الأندلس، د. حسن الوراكلي.
• صورة المرأة في الشعر الأندلسي بين الحسية والرمزية، دة. فاطمة طحطح.
• أبو الحسن على بن محمد الحرالي الأندلسي شخصية اخترقت المكان إلى المكان والزمان إلى الزمان، د. محمد رضوان الداية.

تقديم بقلم الدكتور محمد مفتاح

هذا الكتاب هو في الأصل ندوة نظمها مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، وتتضمن خمسة وعشرين مقالة (ثمانية عشر بالعربية وسبعة بالإسبانية)، وتقع في 648 صفحة من الحجم الكبير، وقد تم طبعها في مطبعة النجاح الجديد بالدار البيضاء.
لقد حرصت الندوة-بمحاورها وقضاياها المتعددة- أن ترسم خارطة للثقافة الأندلسية وحضارتها بكل مكوناتها وعناصرها العلمية والأدبية، سواء أكانت علوما عقلية أم نقلية، أم علوما لغوية وأدبية متعددة الأجناس و الأنواع و الأغراض، في مدها وجزرها، في رقيها وتهاويها، كما حرصت على أن تترك لكل باحث أن يستخلص- من خلال القضية التي يبحث فيها بحسب تصوره وتعقله ورؤاه- مظاهر من التسامح والتفاعل، أو مظاهر من التعصب والتنافر. هكذا ، فإن مشروع الندوة لم يوجه الباحثين توجيها نحو إثبات مظاهر التسامح بلي أعناق النصوص والوقائع حتى تلائم التصور المسبق، و لا نحو إبراز التعصب بتضخم بعض أنواع التدافع الضرورية في الاجتماع … وفي العمران الإنساني. إن المشروع لم يتجاوز الوقائع التاريخية والاجتماعية والثقافية لإنشاء أوضاع وتشييد تصورات غير مراعية لسياق الزمان، ومتطلبات المكان، ومقتضيات أحوال الأناسي من أجل ادعاء ” سبق” في مجالات حرية الأفراد والجماعات وغيرها من حقوق الإنسان التي هي وليدة صيرورة تاريخية والتي مازالت موضع أخذ وعطاء في الدول الليبرالية نفسها ، كما أن المشروع لم يعتد على الواقع الحضاري والثقافي بالأندلس ليمتطي ركاب الآراء التي تجعل الأندلس حلبة الصراع بين الأعراق والديانات والأنماط من السلوك قاعدة تخللها بعض فترات التسامح الاستثنائية التي كانت كنار الحباحب أو كسراب بقيعة، ولم يوح إلى الباحثين أن اتخذوا أحد الأعراق لب حضارة الأندلس وثقافتها وجعلوا غيره لحاء.
وعليه، فإن مشروع الندوة ابتعد عن الإيعاز بمنهاجية معينة تؤدي، بالضرورة إلى دعوى ” الإسبانية الخالصة، أو “العروبة” الخالصة، أو إلى” بربرية” مؤثرة، أو إلى إسرائيلية” ناشطة متحضرة ومحضرة ؛ لكنه سيلم بإسهام كل فريق بنصيبه في بناء الحضارة الأندلسية التي كانت فريدة في لحظة من لحظات تاريخ البشرية. ولحسن الحظ، فان الباحثين كانوا من الحصافة وبعد النظر والموضوعية بمكان مكين مما جعل أبحاثهم تبتعد عن تزوير الوقائع وتملق العواطف.
تناولت أبحاث المساهمين، في الندوة، محورين أساسيين؛ هما التسامح والتواصل وبينهما بعض الأبحاث التي يمكن أن تنضم الى أي منهما. اهتمت بمحور التسامح الأبحاث التالية:( التسامح الديني و أثره في حضارة الأندلس والتسامح الإسلامي، الأندلس نموذجا. و محطات في تأريخ التسامح بين الأديان و الشعوب، والتسامح في الأندلس علامة من علامات حياة الناس و معاملاتهم، و التسامح الديني والعلاقات الإنسانية، الموسيقى الأندلسية مظهر من مظاهر التسامح على المستوى الفني، و الموسيقى الأندلسية غناء جماعي وحد الأصوات ووحد معها القلوب، والمجتمع الأندلسي بين التسامح و التعصب من خلال المادة الشعرية، و التسامح والتعصب في احتفالات الاستيلاء على غرناطة، والصورة النمطية للشخصية الإسلامية في المدونات التاريخية و الكتابات الأدبية الإسبانية).
ينطلق بحث التسامح الديني و أثره في حضارة الأندلس من تحديد مفردة “التسامح” لغة و اصطلاحا و تصورا مستندا إلى متن اللغة العربية، والى القرآن الكريم، و الى الأحاديث النبوية مبرزا سماحة الإسلام و تسامحه. و تتجلى سماحة الإسلام في أنه دين يكرم الإنسان و يقر الاختلاف، و يبيح حرية اختيار الدين، و ينهي عن محاربة غير المسلمين، و يدعو الى تبادل المنافع و المصالح؛ و يبرز تسامحه في معاملته لأهل الكتاب بمقتضى الكتاب والسنة. وقد سار المسلمون في الأندلس، على هدى السلف الصالح فانتشر الإسلام و سادت تعاليمه السمحة بين الناس فتفاعلوا و تداخلوا وتحاربوا، ونال كل من أهل الأديان موقعه؛ وحضارة الأندلس وثقافته العقلية والنقلية و الفعلية خير شاهد على ذلك.
ابتدأ بحث ( التسامح الإسلامي: الأندلس نموذجا ) من توصيف الوضع في الجزيرة الايبيرية قبل الفتح الإسلامي لها؛ وقد كان فيها ظلم واضطهاد وإرهاق مما سهل الفتح الإسلامي الذي تم في مدة وجيزة، وساعد الفاتحين على الاندماج في الساكنة الأصلية بالزواج مما أدى الى نشأت الشعب الأندلسي المعتز بهويته و وطنيته وقوميته في إطار من التسامح الديني والثقافي مع هيمنة اللغة العربية وآدابها فتكون جيل من المستعربين الذين تسمى بعضهم بأسماء عربية، والذين أسهموا في بناء الحضارة العربية الإسلامية الأندلسية، وفي تشييد حضارة وثقافة الممالك المسيحية، وما قيل عن المستعربين يقال عن نشاط الطائفة اليهودية؛ فقد كان في كل من أهل الديانتين الوزراء والكتاب والسفراء والتراجمة؛ وكان بين الديانات الثلاث حوار ديني ترى مازال موضع اهتمام. إلا أن البحث برى أن التسامح بدأ يتراجع بعد سقوط طليطلة و بداية تكون روح صليبية. وقد دافع البحث بحجج وجيهة عن دولة المرابطين بالسياق التاريخي الذي بدأ حينئذ.
يسعى بحث ( محطات في تأريخ التسامح بين الأديان و الشعوب بالأندلس ) الى جعل التسامح قاعدة، و التعصب استثناء عبر ثلاث محطات من التاريخ الأندلسي، و هي تعايش مشترك، وحرية المعتقد، وثقافة متسامحة تقوم على الاختلاف والتنوع. يبرز التعايش المشترك-على الرغم من أنف الفقهاء- في الجوار وفي التعامل وفي التعاون على قضاء بعض الحاجات، وفي الزواج؛ وتتجلى حرية المعتقد في وجود الكنائس والبيع والقضاء الخاص..؛ وتظهر الثقافة المتسامحة في بروز كبار العلماء من أهل الكتاب وخصوصا اليهود منهم. و انتهى البحث بأن ذلك التعايش الاجتماعي المشترك، و تلك الحرية في المعتقد، وذلك الاختلاف والتنوع في الثقافة جعلت الأندلس أنموذجا لحوار الحضارات و تعايشها.
هدف بحث (التسامح في الأندلس علامة من علامات حياة الناس و معاملاتهم ) الى البرهنة على أن تعايش سكان الأندلس حقيقة معيشة. إذ كانوا يتلاقون في مجالس العلم وفي سبل العيش في الأسواق وفي الجوار بالسكن وفي تشابه الأثاث والطبخ، وكانوا يقفون، أحيانا، أمام عدالة واحدة، ويتشاركون في اللغة (واللغات) و الأعياد..؛ وبالإجمال فقد كان هناك تداخل وتمازج وبالإجمال فقد كان هناك تداخل وتمازج … فيه الخصوصيات الدينية و العرقية وتوارت فيه الأنانية والعصبية مما جعل من الأندلس مجتمعا يحتذى به.
سار بحث التسامح الديني والعلاقات الإنسانية ، في الطريق السابق. فقد أتى بشواهد تؤكد نشاط النصارى واليهود في مجالات متعددة مثل الطب والأدب، ومجالات التسيير والتدبير فاحتلوا مناصب سامية. وقد أثبت البحث بتوثيق جيد جملة من العلائق تعكسها إخوانيات ومراسلات أدبية وقصائد عربية مدحية وغزلية موجهة إلى شخصيات يهودية كانت تحسن العربية لأن التعلم المشترك كان بلغات متعددة من قبل معلمين متعددي اللغات جعل ثقافات عالمية تسود وخصوصا الثقافة العربية.
وإذ كان الشعر وسيلة تفاعل وتآخ و تسامح فإن الموسيقى كذلك حيث أسهمت فيها كل العناصر المتساكنة من عرب و بربر و يهود وقوط وزنوج و صقالبة؛ وأدى هذا المزيج إلى طريقتين من الموسيقى: طريقة النصارى وطريقة العرب، وقد تداخلت الطريقتان معا في الموسيقى الأندلسية على يد ابن باجة. ثم سار البحث في رصد تأثر الموسيقى في الشعر و في الموشحات وفي الأزجال ، و في ذكر أسماء مغنين و مغنيات، وفي الحديث عن طريقة اللحن، وطريقة الأداء.
وقد أتى بحث الموسيقى الأندلسية غناء جماعي وحد الأصوات ووحد القلوب معها مؤكد لما ورد في البحث السابق من حيث إن كل الأعراف والديانات أسهمت في تطور علم الموسيقى وصناعتها: لحنا وشعرا وصيانة آلات. وأكد امتزاج طريقة العجم بطريقة العرب من حيث استعمال السلم الموسيقى الطبيعي الفيتاغوري وربط الطبوع بالطبائع، و من حيث المحافظة على بعض عناصر الغناء العربي المشرقي و الغناء المحلي ولم يفت البحث أن أكد أن الموسيقى الأندلسية انتشرت في أوربا لحنا وتأليفا و شعرا وآلات.
بيد أن بحث المجتمع الأندلسي بين التسامح والتعصب من خلال المادة الشعرية لا يركز على التسامح المطلق ولا على التعصب المطلق لكنه يسلم بوجود التسامح والتعصب لتعدد الأجناس التي تساكنت في الأندلس، ولاختلاف المعتقدات الدينية من إسلام ومسيحية ويهودية، و لتعدد الملل و النحل في المعتقد الواحد. ومزيدا من التدقيق، فإن الباحث رصد درجات التسامح و التعصب في حقبتين؛ حقبة الخلافة، وحقبة ما بعد الخلافة معتمدا على المادة الشعرية منتقيا منها شواهد على التسامح و التعصب.
هذا التجاذب بين التسامح و التعصب هو ما يجده القارئ في بحث دور ألفونسو العاشر الحكيم في نشر الثقافة العربية و المصطلحات الأدبية، فقد شجع هذا الملك على ترجمة أمهات الكتب العلمية من اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية مع المحافظة على العبارات التقنية التي لم يكن لها ما يقابلها في اللغة الإسبانية الناشئة. وقد اهتمت الترجمة، من بين ما اهتمت به، علم الفلك. وكان علما ناميا أثر فيما بعد، في شمال إفريقيا وفي الغرب المسيحي. وفي هذا الاتجاه يعتبر تقويم زقوط امتدادا للوحات المعروفة بالفونسية. هذا التقويم من وضع المسلمين و اليهود و المسيحيين؛ وقد ترجم إلى اللغة اللاتينية و القشتالية ثم كان له تأثير في المغرب و في أوربا.
” جاء بحث التسامح والتعصب في احتفالات الاستيلاء على غر ناطة يظهر صورة لما كان عليه المسيحيون من تعصب.فقد بين البحث أن المسيحيين لما استولوا على غر ناطة 1492 أضفوا على المدينة الطابع المسيحي ومحو معالم الثقافة العربية الإسلامية وثكثوا العهود والمواثيق، ثم طرد الموريسكين عام 1610 . ولهؤلاء المتعصبين أحفاد معاصرون استئصاليون في الجيش و في الكنيسة، لكن اختيار المتنور يدعو إلى مواجهتهم ويبرز التأريخ الإسلامي الذي امتاز بالتسامح والتعايش. ”
وهذا النزاع بين المتعصبين و المتسامحين يصوره بحث الصورة النمطية للشخصية الإسلامية في المدونات التأريخية والكتابات الأدبية الإسبانية الذي قام بإلقاء أضواء كاشفة على مفهوم التسامح و التعصب من جهات متعددة . هكذا تطرق البحث إلى أمثلة من الحوار الحضاري الرفيع والتعايش المثمر بين المسلمين والإسبان في شبه الجزيرة الإيبرية مدة ثمانية قرون من جهة لكنه، من جهة ثانية قدم صورة نمطية للإنسان الأندلسي المسلم في المتخيل الإسباني من خلال قراءة لبعض المدونات التاريخية القشتالية والكتابات الإسبانية الأدبية القديم منها و الحديث.
تلك كانت الأبحاث التي تناولت محور التسامح في كل تجلياته الدينية وأما الأبحاث التي تتعلق بمحور التواصل فهي لطب في العالم المتوسطي، وفضاء التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة في أثار فقهاء الأندلس، والعلاقات بين المغرب و الأندلس من خلال تحديد مكان القبلة، وجبل طارق بوابة الأندلس، وثوابت موحدة وقيم راسخة في الأدب الأندلسي، و أدب الرحلة في حياة ساكنة إشبيليا العربي ، والرحلات الأندلسية و لتواصل الحضاري، القاضي ابن العربي نموذج، ورحلة القلصادي حلقة من حلقات التواصل بين الأندلس و المشرق.
يهيمن التسامح حينما يتعلق الأمر بعلوم ليست متعلقة بالعقيدة بكيفية مباشرة كما أثبت ذلك بحث الطب في العالم المتوسطي فقد بين البحث تعاون العلماء على مختلف عقائدهم على الترجمة مما أدى إلى ازدهار علم الطب و علم الصيدلة و التأليف فيهما على الطريقة الجالينوسية؛ ومن أشهر العائلات الطبية أسرة بني زهر وأطباء يهود كانوا يعالجون المسلمين وغير المسلمين؛ وبالطب تحقق التواصل بين الأعراق و الأديان.
هذا التواصل هو ما تطرق إليه بحث فضاء التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة في أثار فقهاء الأندلس. و يؤكد البحث أن المجتمع الأندلسي كان عبارة عن فسيفساء بشرية متعددة الأعراق لكن بينها تواصل حدد طبيعته وفضاءه بشواهد وأدلة مستقاة من نصوص فقهية وكتب جدل وفتاوى وبدع وحسبة وشروط ووثائق، تلك الفسيفساء تواصلت وتناغمت بفضل الرعاية الإسلامية لحقوق أهل الذمة في جو تسوده في الأغلب روح التسامح في مجتمع ترسخت فيه قيم الحق والحرية والتسامح.
إذا كان هذا التواصل داخليا فإن بحث العلاقات بين المغرب والأندلس من خلال تحديد مكان القبلة يتناول العلاقة بين الأندلس و المغرب و المشرق من خلال مكان القبلة. وقد كان تأثير مسجد القيروان و المسجد الجامع بقرطبة الذي صارت تحدد القبلة بمحرابه في الأندلس والمغرب معا واضحا، وقد نبه البحث إلى العلاقة بين هذا تحديد وبين العوامل الدينية والسياسية مثلما فعل الموحدون في تعديل قبلة بعض مساجد المرابطين.
وإذا تعرض البحث السابق إلى العلاقة بين المشرق و المغرب فإن بحث جبل طارق بوابة الأندلس ركز على صخرة جبل طارق ودورها في الاتصال بين الأندلس و المغرب أيام السلم وأيام الحرب منذ أن نزل به طارق. وقد قدم البحث تأريخا للإنزال العسكري فيه من قبل المرابطين والموحدين والمرينيين والمسيحيين، وبذلك كانت الصخرة منطلقا للحروب ولكنها أيضا كانت صلة للسلم. ومازالت أدوار الصخرة قائمة إلى الآن من حيث هو مكان لربط الصلات المرغوب فيها والمرغوب عنها.
إلا أن بحث ثوابت موحدة وقيم راسخة في الأدب الأندلسي يعود بالقارئ إلى التواصل العميق الجذور يتجلى في رابطة العقيدة، والمذهب وأرومة العروبة ورابطة اللغة. وقد كان المغاربة يشدون الرحال إلى المشرق للحج والطلب والعلم أو لكليهما معا مما كان يجعلهم يردون للمشرق بضاعته أحيانا؛ لكن الأندلسيين ما لبثوا أن بدءوا يتعصبون لأندلسيتهم ويدافعون عنها وينافرون من أجلها في مؤلفات ورسائل شهيرة؛ ومع ذلك ، فقد كان لسان مقالهم أو حالهم يقول: الفضل للمتقدم.
كانت الرحلة من بين العوامل التي وثقت صلات المغرب بالمشرق ، لذلك وجدت مكانة مهمة لها في جملة من الأبحاث القيمة. ومنها الرحلات الأندلسية والتواصل الحضاري، القاضي ابن العربي نموذجا. استفاد القاضي ابن العربي من رحلته المشرقية حيث اطلع على المذاهب و الملل و النحل في المشرق، و ما أدت إليه من صراع، كما اطلع على ظروف التعلم وكيفيات وعادات الناس وأنواع سلوكهم. وقد رأى من واجبه وهو المفكر الحصيف – أن يوفق بين مكونات الأمة الأندلسية لتجتمع على كلمة سواء. ومن ثمة كان من المسهمين في تكييف الثقافة الأندلسية مع واقعها حتى لا تكون مجرد صدى لثقافة مركز قوي مع توطيد العلاقات السياسية بين المشرق و المغرب.وإذ كل نعمة محسود فإن ابن العربي لم يشذ عن هذا القانون المجتمعي فكاد له الكائدون وحسده الحاسدون.
في إطار هذا الروح يتطرق بحث رحلة القلصادي حلقة من حلقات التواصل الحضاري بين المشرق و المغرب. وقد حدد البحث سياق الرحلة الذي هو القرن الهجري التاسع حيث الأزمة على أشدها في الأندلس؛ ورحلة القلصادي كانت في طلب العلم حيث البحث عن الشيوخ والإجازات، وذلك ما حصله في تلمسان وفي مصر وفي الحجاز ، ومن ثمة حمل معه برامج ثقافية ومقررات علمية وتصورات منهاجية، وعادات وتقاليد وأعراف مما كان له أثره في الحضارة الأندلسية.
تلك مجمل البحوث التي تتحدث عن التسامح والتواصل بين مكونات المجتمع الأندلسي، إلا أن هناك بحوثا أخرى يمكن أن تعزى إلى التسامح من جهة، وإلى التواصل من جهة أخرى؛ وهي: (ملامح من الحياة الفكرية الحضارية بالأندلس: مدينة إشبيلية في عهدها المغربي، وصورة المرأة في الشعر الأندلسي بين الحسية والرمزية، وأبو الحسن علي بن محمد الحرالي الأندلسي، وابن حزم ومدرسته: جدل اللغة والتأريخ.)
يدافع بحث ملامح من الحياة الفكرية الحضارية بالأندلس: مدينة إشبيلية في عهدها المغربي عن أطروحة ضمنية هي أن من يوسم بالتحجر الفكري والانغلاق المذهبي ازدهرت لعهده الثقافة. وكان النشاط الثقافي في إشبيلية بينة للدفاع عن تلك الأطروحة؛ وهو نشاط متنوع تفاعلت فيه المذاهب الفقهية وتيارات فكرية عقلانية، وممارسات تصوفية؛ وقد وجد ذلك النشاط سوقا رائجة لعهد المرابطين والموحدين؛ ومع ذلك ، فقد كان بعض التشدد تجاه بعض الشخصيات وبعض المؤلفات.
بحث صورة المرأة في الشعر الأندلسي بين الحسية و الرمزية رصد تلك التجليات في الزمان وفي المكان من حيث وضعها داخل المجتمع ورؤية المجتمع إليها من خلال نماذج شعرية مختلفة. وقد تبرز من خلال تلك النماذج ثلاث صور: صورة حسية وصورة رمزية وصورة نسبية مترددة بين الصورتين.
إذا كان البحث السابق تناول صورة المرأة في المجتمع الأندلسي ، بصفة عامة، فإن البحث ( أبو الحسن علي بن محمد الحرالي الأندلسي) ركز على شخصية واحدة انتمت إلى التصوف بما فيه من مقامات وأحوال.. ومناقب وكرامات وخوارق. وإذا قام المتصوفة بأدوار مهمة في المجتمع الأندلسي فإنه صار من النافع إعادة الاعتبار إلى أهله؛ وهذا هو الروح الذي وجه هذا البحث فعرف بأبي الحسن شخصية وثقافة ومؤلفات وخصائصها وقيمتها وآثارها.
لربما كانت شخصية ابن حزم مقابلة للحرالي من حيث المواقف الفكرية وأبعادها وآثارها. وهذا ما بينه بحث ابن حزم ومدرسته: حول الفقه والتأريخ. فقد طور ابن حزم الفكر التأريخي الأندلسي موضوعا ومنهجا وغاية ومقصدا ومنظورا ورؤية؛ فمن حيث المضمون أضاف اهتمامات جديدة، ومن حيث المنهج جمع بين الرواية والدراية، ومن حيث تجديد مجال التفكير والتأويل الإلحاح على الرؤية الدنيوية للتاريخ، ومن حيث غاية ومقصد الكتابة التأريخية الأندلسية إعادة لحمة المجتمع الأندلسي التي تصدعت بملوك الطوائف، وتحقيق وحدة الأمة التي مزقتها المشاحنات العرقية و المصالح المادية والسياسية، وتوزعتها البيوتات الإثنية.
اتضح من الأبحاث السابقة، بمختلف قضاياها، أنها نظرت إلى الحضارة الأندلسية باعتبارها نتاجا مركبا لمجتمع مركب يتكون من العرب والبربر والقوط وبني إسرائيل والأفارقة والصقالبة؛ وكانت هذه الفسيفساء الاجتماعية متعايشة متسامحة أحيانا ومتنافرة متناحرة أحيانا أخرى تبعا لمقتضيات الأحوال وأوضاع الفاعلين في المجتمع الأندلسي. فقد كانت هناك طبقات عليا تمارس السياسة وتدبير المجتمع ، وكان هناك فقهاء يدركون مقاصد الشريعة، وكان يقابلها طبقات من الغوغاء والدهماء تتبع كل ناعق مدرع ، و”فقهاء” يحملون أسفارا لا يدركون مغازيها ومراميها . كما كان هناك يهود ومسيحيون متعلمون راضون عن أوضاعهم في ظل دولة الإسلام وشريعته، وكان هناك منهم من يناوئ الإسلام جهرا أو سرا فيواجهون بما تواجه به الغوغاء بمقتضى ما أنزل الله على رسوله(ص) . لكن كان التعقل والتبصر والتدبير السياسي الحصيف يتغلب فيسود التوافق في المجتمع.
لكن بعض البحوث ارتأت أن التسامح و التعايش والتساكن بين مختلف الأعراق في المجتمع الأندلسي، وأن العلائق مع الدول المسيحية مرت بحقبتين: ما قبل سقوط طليطلة وما بعد سقوط طليطلة؛ ما قبل سقوط طليطلة اتسم بالتسامح داخليا وخارجيا ، و أما ما بعد سقوط طليطلة فقد بدأ التعصب وشيوع أفكار صليبية تهيئ لغزو بيت المقدس . في ظل هذا السياق التأريخي التائق إلى الاسترداد وإلى الاحتلال كان لابد من ظهور نزعات شرعية بالحكم الإسلامي إلى عهد السلف كما فعل المرابطون. وهذه الإشارات إلى السياق التأريخي القريب و البعيد تجعل الأطروحات المتهجمة على المرابطين والموحدين غير واردة.
وزنت كثير من البحوث كيفيات التعايش بين ساكنة الأندلس بالقسطاس المستقيم فتعرضت للتسامح و التعصب ودرجاتهما. فقد كانت هناك درجات من التسامح والتعصب بين المسلمين أنفسهم، وبين اليهود أنفسهم، وبين المسيحيين أنفسهم ، وبين اليهود أنفسهم ، وبين المسيحيين أنفسهم؛ إذ كانت هناك مذاهب مختلفة في كل ديانة كما بينت ذلك المصادر الأندلسية مثل كتاب الملل والنحل والطبقات والفتاوي…نعم كان هناك بعض التضييق على بعض المذاهب وعلى بعض العلوم العقلية لكن ذلك التضييق كان سمة لتلك العصور وما بعدها ؛ وأشهر مثال على ذلك موقف جامعة باريس من تدريس مكتوبات ابن رشد أثناء القرن الثالث عشر.
يتبين –أخيرا –أن كثيرا من بحوث الندوة حرصت على أن تنظر إلى معاني التسامح الدينية والعلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية باعتماد على وثائق متنوعة مثل كتب الطبقات والفتاوى والحسبة.. والشعر، وليس على الكتابات الدينية وحدها، كما نظرت إلى الأحداث في سياقها التأريخي الداخلي والمجاور البعيد. وبهذا يمكن اعتبار إسهام الندوة سيرا في طريق البحث العلمي الرصين الموضوعي الذي لا يضخم الحضارة الأندلسية ولا يضئلها لكنه يضعها في موقعها ويبرزها في حجمها ويقدمها في أبعادها الإنسانية و التأريخية.
بقلم الدكتور محمد مفتاح
الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح
منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات،
مطبعة النجاح الجديدة، 2003