وصف الممالك المغربية

تقديم بقلم الأستاذ أحمد التوفيق

من حسن حظ تاريخ المغرب السعدي أن يضع الأستاذ دي كوثمان يده في المكتبة الوطنية بمدريد على هذا النص المهم الذي ظل مجهولا والذي ينشره معهد الدراسات الإفريقية اليوم كثمرة عمل مشترك بين الأستاذ دي كوثمان الذي حققه وقدم له وبين الأستاذ عبد الواحد أكمير الذي وفق بعد جهد مشكور في ترجمته بالرغم مما في هذه الترجمة من صعوبات.
والنص إضاءة من الخارج مسلطة على وقائع المغرب خلال عشر سنوات موالية لموت السلطان أحمد المنصور 1603م، يسجل مشاهدات أوروبي يصف بشكل بارد شرس مسلسل خراب بسبب نزاعات بين خلفاء المنصور.
جاء مؤلف النص ليسهم في فك الأسرى لحساب مؤسسات دينية، ولكنه ما لبث أن نمى في خياله وصف مشروع إيبيري لغزو المغرب حسب أنه يمكن أن ينال موافقة البلاط الإسباني في عهد فيليب الثالث، وكان يحلم بأن يتخذ هذا المشروع مرقاة للوصول إلى مجد كان يحلم به.
و من حسن الحظ أن نوازع المغامرة باقتحام المغرب كانت ما تزال تؤرقها مختلفات معركة وادي المخازن في نفوس الأيبيرية، فضاعت مساعي هذا الكاتب الجاسوس الوصولي، ولم تضع مذكراته بالرغم من كونها ظلت تتنقل في نسخة واحدة بين المكتبات، لنقرأها اليوم ونتفحص ما فيها من المعلومات ونرى ما يمكن أن يزيد معلوماتنا عن ذلك العصر، ونميز منها ما هو من قبيل النظر الأجنبي البعيد عن حرفة التاريخ.
وهذا النشر يوطد التعاون بين الباحثين الإسبانيين المهتمين بالدراسات الإفريقية وبين الباحثين في معهد الدراسات الإفريقية بجامعة محمد الخامس، في سبيل إغناء المعرفة حول ماضي الملابسات المشتركة.

مقدمة نقدية: توركواتو بيريس دي كوثمان
جاسوس مغامر ومخطوط تائه
إن الدراسة التي نقوم بتقديمها والتي أطلقنا عليها اسم مذكرات خورخي دي هنين تظهر اليوم مطبوعة لأول مرة، وهي في الأصل عبارة عن مخطوط مؤلف من 350 صفحة.
وبالنظر إلى وفرة المعلومات التي يتضمنها، يمكن القول إن هذا المخطوط يعتبر شيئا لاغنى عنه لفهم واحد من أحلك العقود في تاريخ المغرب؛ ذلك الذي يمتد بين 1603 و1613.
إن خورخي دي هنين يقدم لنا من خلال مذكراته وصفا حيا لمسلسل الخراب الذي عرفه المغرب في المجالات السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والتقنية بعد احمد المنصور.
بعد الاطلاع على الخطوط وقراءته، بدا لنا نوع من الاستغراب مرده غياب أي ذكر لهذا العمل في المصادر والمراجع التاريخية التي تتحدث عن المرحلة السعدية.
وعلى الرغم من أنه قد يتبادر إلى الذهن وجود نوع من التجاهل للمذكرات من طرف المؤرخين المغاربة وذلك بسبب الشراسة والبرودة المبالغ فيهما واللتين يتناول بهما الأحداث التي مزقت المجتمع المغربي وقضت على الإمبراطورية السعدية، فإننا نعتقد أن هذا ليس بالسبب الحقيقي، وإنما مرد ذلك، هو عدم معرفة المؤرخين المغاربة بوجود هذا المخطوط. ينطبق هذا كذلك على المؤرخين الإسبان، ذلك أنه وعلى الرغم من كون دي هنين قد كتب مذكراته بالإسبانية، فإنه وإلى وقت قريب، لم يكن يعرف شيء عنها بإسبانيا.
ومما لا شك فيه أن انتقال النسخة الوحيدة- التي عثر عليها لحد الآن من هذه المذكرات ـ من خزانة إلى أخرى طوال القرون الفارطة ساهم في بقائها ضمن المجهول. وهكذا وبعد اختفاء المخطوط من الأرشيفات الملكية الإسبانية، نجده يظهر في الخزانة الخاصة لأحد البرونات الانجليز حيث بقى قابعا بها لمدة طويلة…
هناك عوامل أخرى قد تكون وقفت وراء إهمال المخطوط من طرف المؤرخين الإسبان، منها كونه يصنف ضمن ما يعرف بالمذكرات الأدبية الإدارية، هذا النوع من المذكرات في نظر المؤرخين لا يتصف في غالب الأحيان بأية مصداقية علمية، ذلك لأنه كان يكتب عادة خلال عهد الملكية المطلقة من طرف بعض الوصوليين.
كما أن شخصية خورخي دي هنين الذي اعتبر في إسبانيا رجل مشكوك فيه عاش لسنوات طوال في ديار “الكفار”، ولا يتردد في العمل مع كل من يدفع له مقابلا؛ أسهم بدوره في التشكيك في مصداقية ما يكتبه.
هناك عامل آخر ويتمثل في عدم تمكنه بما فيه الكفاية من اللغة الإسبانية، مما يجعل كتاباته مستعصية الفهم وفي نفس الوقت محط استهزاء من طرف مثقفي البلاط.
كل هذه العوامل تفرض علينا التعمق في قراءة المذكرات والتعرف على صاحبها ونشاطاته، حتى يمكننا معرفة مدى مصداقية هذا العمل.
بخصوص صاحب المخطوط، فاعتماداً على مذكراته، يتبين لنا أنه من أصل فلاندري، غير أننا لا نعرف بالضبط تاريخ ومكان ولادته، وإن كان هناك احتمال أنه ولد ببلدة هنين التابعة حاليا لفرنسا، والتي من غير المستبعد أن تكون قد شكلت في عهد خورخي دي هنين جزءا من الأراضي المنخفضة. وقد غادر فلاندرا خلال النصف الثاني من 1597 بحثا عن الثروة، وبعد التجوال في عدة بلدان أوروبية انتهى به المطاف إلى تركيا. وقد سمح له هذا التنقل المستمر بإتقان اللغات التالية: الإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية إضافة إلى الفلامانية لغته الإصلية، هذا بجانب تمكنه من لغات أخرى كما يؤكد ذلك في مذكراته.
مكث دي هنين في تركيا أربع سنوات كان يشتغل خلالها فكاكا للأسرى المسيحيين. وقد مكنه ذلك من اكتشاف ما يملك من قدرات للعمل في البلاطات، وهو شيء سيستفيد منه كثيرا خلال المرحلة اللاحقة التي قضاها بالمغرب. وقد سمح له تجواله وتنقله المستمر بالتعرف على الكثير من الشخصيات البارزة والتي بقي على اتصال مستمر بها عن طريق المراسلات بعد عودته إلى إسبانيا، هذه المراسلات مكنته من التعرف على أخبار البلدان التي كانت ترد عليه منها.
إننا نجهل سبب انتقاله إلى المغرب، وكذا السنة التي وصل فيها بالتحديد، وإن كنا نستنتج من المذكرة التي بعث بها إلى فيليب الثالث أن ذلك تم عام 1604؛ لأنه يشير فيها للمدة التي قضاها بهذا البلد وهي ثمان سنوات، حيث غادره عام 1612، غير أن المعلومات التي يوردها عن المغرب لا تتصف بالدقة والتفصيل إلا ابتداء من 1605، في حين أن الأحداث التي يذكرها عن المرحلة السابقة تتميز بالإيجاز والتلخيص مما يجعلنا نظن أنه سمعها من شخص آخر.
وقد عمل خورخي دي هنين بمراكش كذلك فكاكا للأسرى، وعندما فقد مولاي أبو فارس العرش عام 1606 كان هو مدينا له ب 64.000 دوقة، افتدى بها بعض أسرى المسيحيين. وأمام افتقاده للمال الذي يمكنه من دفع الديون المترتبة عليه، أعطاه الملك الجديد مولاي زيدان فرصة جمع هذه الأموال وذلك بتشغيله معه.
ومن المحتمل جدا أن يكون خورخي دي هنين قد استدعى لهذا الغرض من طرف مولاي زيدان عام 1608 بمناسبة وجود سفارة هولندية بمراكش، وذلك على اعتبار أنه سيكون مفيدا جدا له، بسبب زيارته للعديد من البلاد الإسلامية بالإضافة إلى تمكنه من الكثير من اللغات الأوروبية.
بعد مدة قصيرة في عمله الجديد، تمكن دي هنين من كسب ثقة وحماية مولاي زيدان الذي جعله من مقربيه. وقد حصل على أموال كثيرة، حيث إنه وبعد أن دفع كل الديون المترتبة عليه، بقي معه حوالي 160.000 دوقة. غير أن عدم الاستقرار السياسي الذي كان يعيشه المغرب آنذاك سرعان ما أدى إلى فقدان دي هنين لهذه الثروة، وكان على وشك هلاك حياته كذلك. ففي 1612 هزم الثائر أبو محلي مولاي زيدان، وقد تمكن دي هنين من النجاة بعد فراره من المعركة، غير أنه سيلقى عليه القبض بمراكش حيث سيسجن. وبعد مفاوضات شاقة وطويلة مع أبي محلي رخص له بمغادرة المغرب، حيث سيحاول عبثاً إقناع ملك إسبانيا فيليب الثالث بغزو المغرب، بعد أن سلمه نسخة من هذه المذكرات.
بقلم توركواتو بيريس دي كوثمان