التاريخ السياسي للامبراطورية الموحدية

التاريخ السياسي للامبراطورية الموحدية
تقديم بقلم المترجم

1-هويسي ميراندا: من اليسوعية إلى الاشتراكية:
ينتمي “أمبوسيو هويثي ميراندا” Abrosio Huici Miranda إلى جيل المستعربين الإسبان الذين كان يطلق عليهم اسم “بني كوديرا” Beni Codera نسبة إلى أستاذهم ومؤسس الاستعراب الإسباني المعاصر “فرانثيسكو كوديرا إي زيدين” Francisco Codera y Zaidin. ومن بينهم إضافة إلى “ميراندا”، من سيصبحون فيما بعد أعلام الاستعراب الإسباني في النصف الأول من القرن العشرين مثل “خوليان ريبيرا” Julián Ribera و “أسين بلاثيوس” Asín Palacios و”أنخل كونثالث بالينثيا” Angel Gonzalez Valencia و ” إميليو غارثيا كوميث” Emilio García Gomez .
وكانت ولادة ميراندا سنة 1880 في قرية “أواتي” Huate بضواحي مدينة ” بامبلونة Pamplona (شمال شرق إسبانيا )، في عائلة ميسورة، حيث كان والده طبيباً للقرية وأحد أعيانها. وقد نشأ نشأة دينية كاثوليكية، وهو ما دفعه لينخرط في بداية شبابه في إحدى الهيئات اليسوعية Compañía de Jesus التي سهلت له منحة دراسية، أهلته للحصول على ليسانس في الأدب والفلسفة من جامعتي سلامانكا وسرقسطة سنة 1904، وقد أرسلته بعد ذلك هذه الهيئة الدينية إلى لبنان سنة 1905 لدراسة اللغات الشرقية في جامعة القديس يوسف ذات التوجه المسيحي. وإثر عدوته إلى إسبانيا تسجل في جامعة غرناطة حيث حصل على شهادة ليسانس ثانية سنة 1908، وهي نفس السنة التي ناقش فيها أطروحة الدكتوراه التي سبق وسجلها بجامعة مدريد.
ومما لا شك فيه أن مروره بغرناطة سمح له باكتشاف الميراث الحضاري الأندلسي والذي سوف يشتغل عليه طيلة حياته. وكانت أولى بوادر ذلك قيامه بتأسيس مركز الدراسات التاريخية في مدريد عام 1910 رفقة صديقيه “خوليان ريبيرا” و”أسين بلاثيوس”، حيث أشرف الثلاثة على تصنيف وفهرسة جزء من المخطوطات الأندلسية الموجودة في إسبانيا.
وكان ميراندا، قد انتقل سنة 1909 وبتشجيع من صديقه وأستاذه “ريبيرا” إلى المغرب، لتعميق معارفه في اللغة العربية وفي نفس الوقت للبحث عن نسخ جديدة من المخطوطات التي يشتغل عليها. وأثناء مقامه ذاك بالمنطقة التي ستصبح فيما بعد خاضعة للحماية الإسبانية في المغرب، انتقد المخططات الاستعمارية التي كانت تستهدف المغرب، وعبر عن ذلك من خلال المراسلات التي كان يبعث بها من هناك بانتظام إلى الصحف المعروفة آنذاك ومن بينها ” الإمبرثيال” El Imparcial و” البلانكو إي نيكرو” El Blanco y Negro و”الدياريو دي نبرة” El Diario de Navarra، وكذا من خلال محاضرة ألقاها بمدريد في مجمع ” أتينيو” Ateneo العريق عام 1910 إثر عودته إلى إسبانيا.
لقد اكتشف ميراندا من خلال دراساته المتعمقة للحضارة الأندلسية وكذا للحضارة اللاتينية (سيصبح أستاذاً مبرزاً في اللغة اللاتينية) أن مبادئه لا تتماشى وما يقول به المجمع اليسوعي الذي ينتمي إليه، كما لا تتماشى مع توجهات النظام الملكي القائم في إسبانيا والذي كان يبارك استعمار المغرب. وهكذا قرر ترك هذا المجمع اليسوعي في وقت اقتنع فيه أن ميوله الحقيقية جمهورية اشتراكية. وبما أنه كان واعياً أن إقدامه على تلك الخطوة،لم يكن ليمر دون أن يدفع الثمن، خصوصاً وأن هذا المجمع الذي مول دراسته داخل وخارج إسبانيا، لم يكن مستعداً للتخلي عن واحد من شبابه الواعدين، فقد احتفظ بالأمر سراً لبعض الوقت، وهكذا ففي مذكراته التي كتبها عام 1909 باللغة الإسبانية، يستعمل عبارات باللغة العربية للتعبير عن هذه الأمور، وذلك دون شك تخوفاً من أن تقع في يد الرقيب، فيكتب بلغة عربية في نفس النص الإسباني وبحروف لاتينية Ana nehib el chumhurie y el ichtiraki “أنا نحب الجمهوري والاشتراكي”، ثم يواصل باللغة الإسبانية “بالأمس مرة سنة” قبل أن يتم الجملة بالعربية، دائماً بحروف لاتينية u ana muharrar “وأنا محرر” (يقصد مرور سنة على تركه اليسوعية).
غير أن هويسي ميراندا والذي اقتنع بالنظام الجمهوري من أعماقه وكان من مؤسسي حزب اليسار الجمهوري الإسباني، سرعان ما تبين له بعد سقوط الملكية وتولي الجمهوريين السلطة عام 1931، أن هذا النظام لا يختلف عن غيره، وهنا يقرر ترك الحزب ويخصص كل وقته للبحث التاريخي، وهو ما لم يغفره له الجمهوريون الذين قاموا بنهب دار الكتب التي كان يمتلكها في بلنسية. إلا أنه ومن سخرية الأقدار لم يكن مصيره ومصير دار الكتب التي في ملكه بأحسن من هذا، بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها عام 1939، فقد نُهبت هذه الدار من جديد بعد اعتقاله، حيث وجه إليه الفرنكاويون تهماً أخطر بكثير من تلك التي وجهها إليه الجمهوريون، نذكر من بينها التحريض على التمرد والترويج للأفكار الاشتراكية من خلال ما يبيعه من كتب، وتأسيس فرع حزب اليسار الجمهوري في بلنسية والانتماء إلى الماسونية، وكانت هذه التهمة الأخيرة وحدها كافية لصدور حكم الإعدام، كما حدث مع الكثيرين. غير أن المحكمة العسكرية التي وقف أمامها كانت “رحيمة به” بحيث اكتفت بإصدار حكم مدته اثنتا عشرة سنة سجناً نافذة. وبعد مرور سنتين وهو في المعتقل تبين أن جل هذه التهم ملفقة، وهو ما أدى إلى إعادة الحكم، حيث صدر في حقه حكم سنتين سجناً مع وقف التنفيذ، شريطة البقاء رهن الإقامة الإجبارية، وهي الوضعية التي لم تكن أحسن من السجن بالنسبة له، لأنها كانت حسبه تحول دون انتقاله إلى مراكز وجود المخطوطات العربية التي يقوم بتحقيقها أو ترجمتها وذلك حتى يتمكن من مقارنة النسخ وضبط الهوامش. ومع كل ذلك، لن يتأخر في العودة إلى السجن من جديد، حيث تم اعتقاله عام 1948 بعدما أصبحت قراءته الثورية التجديدية للتاريخ الأندلسي، تزعج منظري الفرنكاوية الذين سعوا دائماً إلى طمس الدور الذي كان للحضارة الأندلسية، في تكوين الهوية الثقافية الإسبانية.
إن المواقف السياسية التقدمية لميراندا، ورفضه لسلطة الكنيسة وديكتاتورية فرانكو وقراءته التجديدية للتاريخ الأندلسي، وكما كانت وراء اعتقاله أكثر من مرة، كانت وراء حرمانه من التدريس في الجامعة، بحيث بقيت أبوابها مغلقة في وجهه طيلة حياته، بخلاف زملائه أمثال بلاثيوس و ” بالينثيا” و”غرثيا كوميث”، وهكذا لم تنفع شهادة الدكتوراه التي حصل عليها بامتياز سنة 1908، ولا الجائزة التي تقدمها جامعة مدريد لأحسن أطروحة تناقش فيها خلال السنة، كما لم تنفع شواهد ليسانس الثلاث التي حصل عليها ما بين 1904 و 1917، في وقت كانت هذه الشواهد عملة نادرة تفتح أبواب الجامعة على مصراعيها لكل حاصل عليها. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل طُرد كذلك من التعليم الثانوي كأستاذ مبرز للغة اللاتينية.
والظاهر أن هذا الحيف المرتكب في حقه، خلق لديه نوعاً من المرارة رافقه طول حياته، وهكذا كتب وهو في خريف العمر وقد تجاوز الثمانين عن هذه الوضعية متمنياً أن يقدم في يوم ما تفسير لهذا الإقصاء.
غير أن ذلك وإن حال دون التواصل المباشر بين ميراندا وبين طلبة الجامعة، فإنه لم يحل دون مواصلة تطوير منهجه في البحث التاريخي المتعلق بالأندلس، وهو ما سمح لكتاباته في هذا التخصص بفرض نفسها ليس فقط في إسبانيا وإنما خارجها كذلك، بدءاً من المغرب الخاضع آنذاك للاستعمار، حيث أصبح من الأقلام الفاعلة في مجلتي هيسبريس وتمودة، إلى فرنسا حيث ساهم بأكثر من خمسين مقالة في الطبعة الفرنسية من دائرة المعارف الإسلامية إلى إنجلترا حيث أصبح قسم الحضارة الإسلامية بجامعة كامبريدج يعتبره مخاطبه الرئيسي، من بين الباحثين الإسبان المتخصصين في الدراسات الأندلسية، خصوصاً بعدما قام به من تحقيقات وترجمات لأمهات المصادر المتعلقة بتاريخ الغرب الإسلامي.
لقد وعى ميراندا، خصوصاً في المراحل الأخيرة من حياته، بأن التاريخ الأندلسي لا يجب أن يبقى حكراً على المنابر الأكاديمية والدوريات المتخصصة، وإنما يجب أن يصل إلى الجمهور الواسع، وهنا اعتبر أنه أمام مهمة اجتماعية تتمثل في تعريف سكان مدينته، -بالتبني- بلنسية بماضيها الأندلسي المجيد، وهكذا خصص السنوات العشر الأخيرة من حياته لكتابة مقالات صحفية مبسطة تصدر في الجرائد المحلية عن هذا الماضي، وقد تجاوز مجموع هذه المقالات المائة. لكن وفي نفس الاتجاه، ألف كتاباً أكاديمياً عن هذه المدينة صدر له سنة 1971 وعمره آنذاك تجاوز التسعين، وفيه فند العديد من الأساطير التي ألصقها المؤرخ المعروف “مينينديث بيدال” Menéndez Pidal بهذه المدينة ومرحلتها الإسلامية.
لقد توفي هويسي ميراندا سنة 1973 عن عمر يناهز 93 سنة، مخلفاً وراءه إرثاً من 13 ألف صفحة عن تاريخ الغرب الإسلامي الذي أحبه وأحب رجاله العظام، لدرجة أصبح هذا الحب مسيطراً على كيانه، ومما لا شك فيه أن رغبته الأخيرة والمتمثلة في “إخفاء خبر موته” كان فيها الكثير من التأثر بشخصية مؤسس الإمبراطورية الموحدية المهدي بن تومرت، والذي أشُكُ أن يكون هناك من درس سيكولوجيته والأهداف الحقيقية وراء ادعائه المهدوية وطبيعة عقيدته، أحس من ميراندا. وأظن أن خير ما يمكن أن نقوله عن ميراندا في ذكرى وفاته الواحدة والثلاثين هو تكرار جملة المعلم الكبير “بيدرو شالميتا” Pedro Chalmeta الذي كتب بلغة عربية وحروف لاتينية في حق الرجل: ” Rahimahu Allah رحمه الله وجعلنا نحذو حذوه” في مجال الكتابة التاريخية.
2-الكتابة التاريخية عند هويسي ميراندا:
بخلاف صديقه أسين بلاثيوس والذي حاول فهم الحضارة الإسلامية في الأندلس اعتماداً على الدين وعلومه المختلفة وعلى رأسها التصوف، حاول ميراندا فهم الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس من خلال قراءة جديدة للتاريخ السياسي للغرب الإسلامي، وهكذا بين بأن تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية إبان القرون الوسطى ( وليس تاريخ الأندلس فقط) لن يفهم بالشكل المطلوب دون اعتماد المصادر العربية، وكان المؤرخون الإسبان المهتمون بالجزء المسيحي من بلادهم يعتبرون أن دراسة ذلك التاريخ لا يفرض التمكن من العربية، كما كان المؤرخون العرب المهتمون بتاريخ الأندلس يرون أن التمكن من اللغة الإسبانية ليس ضرورياً لدراسة ذلك التاريخ.
لقد كانت اللبنة الأولى التي اعتمدها ميراندا في مدرسته هي التمكن من اللغات، وهكذا وبعد أن أتقن اللاتينية تمكن من العربية والعبرية، كما أتقن البرتغالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية إضافة إلى اللغة البلنسية، والإسبانية لغته الأم.
وإذا كان التمكن من اللغات جعل ميراندا يتميز عن المؤرخين العرب والإسبان المهتمين بتاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية الإسلامي والمسيحي، فإن تمكنه من المنهج التاريخي (حصل على الليسانس في التاريخ عام 1917) جعله يتميز عن بقية المستعربين الإسبان، والذين وإن تمكنوا من اللغة العربية كان ينقصهم المنهج وكيفية التعامل مع النصوص التاريخية والآثار العمرانية، لذا كان اهتمامهم وبروزهم في مجالات أخرى متعلقة بالتراث الحضاري الأندلسي غير التاريخ.
لقد بدأت مهمة البحث التاريخي عند ميراندا بالتعريف بأمهات المصادر العربية، وهكذا شرع سنة 1908 وعمره 28 سنة في ترجمة كتاب “الأنيس المطرب بروض القرطاس” لابن أبي زرع إلى الإسبانية. وعلى امتداد ستين عاماً نشر وحقق وترجم عشرات الكتب النادرة عن الغرب الإسلامي، كان آخرها “المن بالإمامة” لابن صاحب الصلاة و الذي صدر بالإسبانية عام 1966 [1].
والظاهر أن القيام بهذا العمل في إسبانيا خلال تلك المرحلة المبكرة كان شيئاً خارجاً عن المألوف، ومجهوداً غير مضمونة ثماره، ومع ذلك لم يتوقف عنه أبداً، رغم ما كان يجده من عراقيل في نشر ما يترجمه، وهذا ما يعبر عنه عام 1910 وكان قد شرع في ترجمة كتاب العبر لابن خلدون، عندما يقول: “ليس لي أمل في نشر ما أقوم بترجمته، لكن هذا لن يحول دون مواصلتي العمل في ذلك”.
ولم يكن اهتمامه بالمصادر اللاتينية التي تعود إلى نفس المرحلة بأقل من اهتمامه بالمصادر العربية، بحيث ساهم في التعريف بالعديد منها والتي كانت مجهولة إلى ذلك التاريخ. وقد سمح له هذا وذاك بإصدار كتابين يمكن اعتبارهما من عيون تاريخ الأندلس هما: “تاريخ حروب الاسترداد من خلال المصادر العربية” و “تاريخ حروب الاسترداد من خلال المصادر المسيحية”، هذا الأخير اعتبره ليفي بروفنصال ضرورياً لفهم تاريخ الغرب الإسلامي، حيث كتب بشأنه ما يلي:”رغم مرور حوالي أربعين سنة على صدوره، يبقى كتاب تاريخ حروب الاسترداد من خلال المصادر المسيحية الذي ألفه (ميراندا) لأهداف بيداغوجية، أهم ما صدر في الموضوع إلى اليوم[2].
لقد وضع ميرندا إذاً الأسس التي أقامت عليها الإستريوغرافية الإسبانية المهتمة بالقرون الوسطى بناءها، حيث وعى المؤرخون الإسبان المهتمون بهذه المرحلة بأن تعلم اللغة العربية يعتبر أمراً ضرورياً لفهم تاريخ بلادهم، لما تتضمنه هذه اللغة من مصادر تهم التاريخ الإسباني. وكان من نتائج ذلك أن ظهر جيل جديد من المؤرخين في الجامعة الإسبانية، ينتمون إدارياً لأقسام اللغة العربية، وليس لأقسام التاريخ.
غير أن مدرسة هويسي ميراندا في الكتابة التاريخية لها فضل آخر على تاريخ الأندلس، فضبطه للتاريخ السياسي والعسكري للغرب الإسلامي في علاقته بإسبانيا المسيحية، سمح للمؤرخين الذين جاءوا من بعده بالخوض في مجالات أخرى لم تُدرس من قبل مثل الفنون والعلوم والمجتمع والاقتصاد، بحيث نجد اليوم، باحثين تخصصوا -انطلاقاً من المخطوطات المتوفرة- في الفلاحة أو الصيدلة أو الطب أو علم الفلك بالأندلس.
3-منهجية الكتاب المترجم:
على الرغم من مرور حوالي نصف قرن على صدوره، وعلى الرغم من ظهور دراسات أكاديمية متعددة بالعربية والفرنسية والإسبانية عن الدولة الموحدية خلال العقود الأخيرة، يبقى “التاريخ السياسي للإمبراطورية الموحدية” أوفى عمل، في تقديرنا، تناول الحياة السياسية في العصر الموحدي. وعلى غرار بقية مؤلفاته، كان هويسي ميراندا في هذه الدراسة مصاباً ب “إرهاص الموضوعية” على حد تعبير واضعي تقديم الطبعة الإسبانية الجديدة من الكتاب[3]. وهكذا ومن أجل الاقتراب من الحقيقة التاريخية، يضع وفي كل حادثة يوردها، مقارنة دقيقة بين ما جاء في مختلف المصادر التي ساقتها، ويصل أحياناً عدد المصادر التي يوردها حول الحادثة الواحدة إلى ستة أو سبعة، كلها تنتمي إلى نفس مرحلة الحدث أو متأخرة عنها بفترة غير طويلة. ويتوخى أن تكون بلغات مختلفة، ولأشخاص ينتمون إلى ثقافات وايديولوجيات متباينة. وبعد أن يعرض لكل ما قيل يبدي رأيه والذي قد يدعم أحد الآراء التي أوردتها هذه المصادر، وقد يرفضها جميعاً، وهنا يُحَكِم منطقه.
وعندما يتعلق الأمر بالمواجهات العسكرية وطبيعة سير المعارك، لا يكتفي بالمصادر، وإنما ينتقل إلى عين المكان، خصوصاً إذا ما تبين له أن ما جاء في هذه المصادر لا يتماشى مع تضاريس المنطقة. فمع اقتناعه بأن التاريخ لا يمكن أن يتحرك إلا في الجغرافية، يعيد، بناءً على تضاريس المنطقة، تركيب المعارك، متوقفاً عند مكان وقوعها وعدد الجنود الذين شاركوا فيها والمكان الذي وضع فيه كل طرف مخيمه، وقد يصل إلى نتائج يرفض من خلالها التسليم بالمكان الذي تقول المصادر إن المعركة وقعت فيه. كما يرفض أحياناً أخرى، دائماً انطلاقاً من تحريات ميدانية، التسليم بأن بعض الحصون المندرسة التي وقعت فيها مواجهات عسكرية، توجد في الأماكن التي حددتها المصادر، وإن كان يعترف بعجزه في تحديد مكانها بالضبط. يقول عن حصن تجمع المصادر أن إحدى المعارك وقعت فيه: ” إن حصن طرش الذي يجعله صاحب البيان المغرب بمنطقة ألينتخو لا يمكن أن يكون هو تورش بردش كما يظن دوزي، و لا حصن طمان، والحقيقة أنني لا أستطيع ضبط مكانه، كما لا يمكن أن نسلم حول مكانه بما ورد عند ابن عذاري، لأنه ونساخه غير أندلسيين، لذا فهم يجهلون أسماء الأماكن في شبه الجزيرة، والتي يكتبونها في كثير من الأحيان بشكل غير مضبوط”. وللتذكير، فغير ما مرة كان ميراندا يبدي أسفه على عدم إنجاز أبحاث أركيولوجية جادة تسمح باكتشاف أماكن تاريخية في المغرب والأندلس، تُمكن من تسليط أضواء جديدة على تاريخ الغرب الإسلامي. يقول في هذا السياق: ” قد يسمح القيام بدراسة جغرافية أو طبوغرافية متأنية لمنطقة وادي سوس بالتعرف على عدد من الأماكن التي وردت أسماؤها في المصادر التاريخية”. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التحريات الأركيولوجية في إسبانيا خلال العقدين الأخيرين، سمحت باكتشاف عدد من ساحات المعارك وبقايا قلاع وقطع أثرية تتضمن معطيات جديدة حول تاريخ الأندلس.
وكما يبدي ميراندا رأيه في أماكن وقوع المعارك، يبدي رأيه في بعض ما هو شائع عن النتائج بعيدة المدى لبعض المعارك المشهورة مثل مثل الأرك وشنترين والعقاب، بحيث يفاجئنا بخلاصات على درجة كبيرة من الجرأة.
لقد سمحت لميراندا الدراسة النقدية التي قام بها للمصادر العربية والمسيحية الوسطوية بتصنيف أصحابها حسب مصداقيتهم، فميز فيهم بين المتملق وذي الخيال الخصب في اختلاق الروايات، ومن تخونه الذاكرة، والذي يتناقض مع نفسه قبل أن يتناقض مع غيره، وأعطى لكل واحد صفة أصبح يعرفه بها كلما اعتمده كمصدر. وهكذا يقول عن ابن عذاري بخصوص ما أورده حول إحدى الحملات: “يتهرب من إعطاء تفسير منطقي لما وقع ويقدم رواية يلفها الغموض”، و يقول عن ابن خلدون بخصوص ما جاء عنده حول نفس الحملة: “…وبموضوعيته المعهودة، لا يعير كبير اهتمام للخرافات”، ويقول عن راوول ديسيتو Raul Diceto بخصوص الحملة ذاتها: ” تجعلنا إطلالة سريعة على ما كتبه… نقتنع أن ما يرويه لا يمكن أن يسلم به العقل البشري، لأنه يفوق المصادر العربية فيما يتعلق بمزج أحداث الحملة بعنصر الخيال”. و لا يتردد، وبحثاً عن المصداقية، في استعمال نفس المقياس مع المتأخرين من المؤرخين، وهكذا يقول عن دوزي :” الظاهر أنه لم يطلع على عدد من المصادر المسيحية المهمة، أو أنه اطلع عليها ولم يعرف كيف يستفيد منها”.
وقد وضع ميراندا لكتابه “التاريخ السياسي للامبراطورية الموحدية” تصميماً خاصاً، حيث بدأه بمدخل ومقدمة (أدرجناهما في النص المترجم ولأسباب منهجية تحت عنوان واحد)، ثم قسم العمل إلى اثني عشر فصلاً اعتمد فيها التسلسل الكرنولوجي. وبحكم الطابع السياسي للكتاب فقد أهم كل فصل الأحداث السياسية والعسكرية التي وقعت في عهد خليفة من خلفاء الدولة الموحدية. وكان عدد صفحات الفصل تكثر أو تقل بحسب أهمية الخليفة والأحداث التي وقعت في عصره.
وتنتهي الدراسة بملحقين يتضمن الأول ما يسميه بالأساطير التي وردت في المصادر العربية عن بعض الشخصيات الموحدية، حيث يقدم لنا إحدى عشرة أسطورة من بينها أسطورة لقاء المهدي بالغزالي، وأسطورة دفن الأحياء، وأسطورة الرجل الذي ضحى بحياته من أجل عبدالمومن.
أما الملحق الثاني فيتضمن السيرة الذاتية للخلفاء الموحدين وأقاربهم من الذين شغلوا مناصب رسمية. وإن عدم إقدامنا على ترجمة الملحقين، يعود لكونهما لا يضيفان، في نظرنا، جديداً بالنسبة للقارئ العربي، الذي يمكنه الاطلاع على ما يتضمنانه، في المصادر العربية التي يحيل عليها المؤلف، بخلاف القارئ الإسباني الذي يتوجه إليه المؤلف في النص الأصلي، وهو قارئ لا يعرف العربية أولاً، ولم يكن بميسوره ثانياً الوصول إلى تلك المصادر، وكان العديد منها، مخطوطاً وقت صدور كتاب ميراندا.
ومن الصعوبات التي اعترضتنا، هناك عملية ضبط وتحيين هوامش وببليوغرافية الكتاب، فالهوامش غير كاملة، بحيث عادة ما لا يذكر المؤلف دار النشر وسنة صدور المرجع المعتمد. أما الببليوغرافية فيكتفي فيها بإيراد أسماء المؤلفين دون عناوين كتبهم. من هنا وجب القيام بضبط وتحيين الهوامش ووضع ببليوغرافية جديدة تأخذ بعين الاعتبار ما صدر من كتب وحقق من مصادر لها علاقة بالموضوع، خلال العقود الأخيرة.
هناك صعوبة أخرى، تهم أسماء الأماكن ( قلاع وحصون ومدن وأودية أندلسية)، فكتابتها بشكل مضبوط، أو على الأقل أقرب إلى الصواب، لم يكن بالأمر السهل، لاعتبارات متعددة، فبعضها يحمل بالعربية أسماء غير التي يحملها بالإسبانية، والتي وردت بها عند ميراندا. وقد حتم علينا ذلك العودة إلى المصادر العربية، وهنا وجدنا أنه ليس هناك اتفاق على طريقة كتابتها، خصوصاً أن بعض مؤلفي هذه المصادر، وعلى اعتبار أنهم من غير الأندلسيين، كانوا يكتبونها بشكل خاطئ، وهنا وأمام صعوبة الاختيار، نورد اسم المكان بالكيفية الذي تتكرر كتابته في أكثر من مصدر، مع الإشارة في الهامش إلى الطريقة التي كتب بها في بقية المصادر. هناك صعوبة ثالثة، وتتعلق بأسماء بعض القلاع التي لم تعد موجودة، أو قليلة الأهمية، وهذه لا نجد أحياناً ذكراً لها في المصادر العربية، لذا قمنا بكتابتها بالعربية، حسب الكيفية التي تنطق بها بالإسبانية. في نفس السياق، وحتى نسهل مهمة القارئ، وضعنا لائحة في نهاية الدراسة بأسماء الأعلام والأماكن الأندلسية غير الشائعة، مع كيفية كتابتها بالإسبانية والعربية.

________________________________________
[1] – انظر في الملحق الببليوغرافي جرداً بما ترجمه ميراندا من العربية إلى الإسبانية.
[2] – صدر في جزأين عام 1913
[3] – Ambrosio Huici Miranda. Historia Política del Imperio Almohade. Estudio Preliminar. Emilio Molina Lopez y Vicente Carlos Navarro.. Ed. Universidad de Granada., 2000.